الشيخ محمد النهاوندي
393
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وتستحقّون بها الجنّة ونعيمها أَنْ تُوَلُّوا وتصرفوا يا معشر اليهود والنّصارى وُجُوهَكُمْ في الصّلاة قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وطرفهما . عن السّجّاد عليه السّلام : « قالت اليهود : قد صلّينا إلى قبلتنا هذه الصّلاة الكثيرة ، وفينا من يحيي اللّيل صلاة إليها . وقال كلّ واحد من الفريقين : أترى ربّنا يبطل أعمالنا هذه الكثيرة وصلواتنا إلى قبلتنا لأنّا لا نتّبع محمدا على هواه في نفسه ! » « 1 » الخبر . ثمّ بعد ذلك أرشدهم إلى ما هو البرّ في حكم العقل والشّرع بقوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ والخير الّذي ينبغي أن يهتمّ به برّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وأقرّ بوحدانيّته . وقيل : إنّ المراد ، ولكن ذي البرّ والبارّ من آمن باللّه « 2 » وعرف مبدأه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ومعاده وَالْمَلائِكَةِ كلّهم ، وأنّهم عباد اللّه لا أولاده وليسوا بذكور ولا إناث ، وهم مكرمون عنده مطيعون لأمره وَالْكِتابِ الذي أنزله اللّه بتوسّط رسله ، ومنه القرآن وَالنَّبِيِّينَ جميعا ذوي الشّرائع وعيرهم . هذا من حيث العقائد ، فجمعت الآية الإيمان بالأمور الخمسة : الإيمان بالمبدأ ، والمعاد ، وصحّة الشّرائع التي نزلت بتوسّط الملائكة ، والكتب السّماويّة المنزلة إلى الأنبياء [ والايمان بالأنبياء ] ، واليهود قد أخلّوا بجميعها ، حيث قالوا بالتّجسيم « 3 » والبخل في المبدأ « 4 » ، وأنّه لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ في الآخرة إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً « 5 » وقالوا : إنّ جبرئيل عدونا ونحن نعاديه ، وأنكروا الكتب وكفروا ببعضها ، واقتصروا بالإيمان بالتّوراة ، بل كفروا بكثير ممّا فيها ، وقتلوا كثيرا من الأنبياء مع أنّ البرّ لا يكون إلّا الايمان بالأمور الخمسة ، ثمّ تتميمه بالعمل . ولمّا كانت الأعمال على قسمين : ماليّة وبدنيّة ، وكانت الأعمال الماليّة أشقّ على النّفس من الأعمال البدنيّة ؛ قدّم ذكرها بقوله : وَآتَى الْمالَ وأعطاه عَلى حُبِّهِ والشّحّ به . وقيل : على حبّ اللّه « 6 » . وقيل : على حبّ الإيتاء « 7 » بأن يكون طيب النّفس بإعطائه ذَوِي الْقُرْبى واولي الأرحام صدقة وبرّا وصلة .
--> ( 1 ) . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام : 589 / 353 . ( 2 ) . مجمع البيان 1 : 476 . ( 3 ) . في النسخة : بالتجسّم . ( 4 ) . يريد قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . . . [ المائدة : 5 / 64 ] . ( 5 ) . البقرة : 2 / 80 . ( 6 ) . جوامع الجامع : 32 . ( 7 ) . جوامع الجامع : 32 .